تفتكر إن معلوماتك عن التاريخ الإسلامي كتير؟
لو إجابتك “أيوه”… فهي متوقعة جدًا.أكيد سمعت عن بدايات الإسلام، وعصر الخلفاء الراشدين، والفتوحات، والدول اللي قامت بعد كده زي الأموية، العباسية، والأيوبية… كل القصص اللي اتكررت على وداننا وإحنا صغيرين. لكن الحقيقة؟إن ده مجرد السطح بس.لأن جوا التاريخ ده في حكايات منسية مدهشة، غريبة، ومبهرة.ويمكن دي أكتر حاجة بتخلّي التاريخ ممتع،كل مرة تفتكر إنك عارف كتير تكتشف إنك لسه ما شوفتش حاجة.خد عندك مثلًا:هل كنت تعرف إن إسبانيا والبرتغال كانوا دول مسلمة؟آه زي ما بقولك كدا، إسبانيا والبرتغال إللي دايما تسمع عنهم بيلاعبوا بعض في الكورةوده مش كلام غريب، ولا مبالغة، لكن حقيقة تاريخية كاملة، ومليانة أسرار!وعشان نعرف أصل الحكاية.هنرجع سوا بالزمن، ونبدأ رحلة مش زي أي رحلة، رحلة لاكتشاف “بلاد الأندلس”، الحضارة إللي استمرت لمدة ٨٠٠ سنة، بس من الزاوية اللي محدش بيبص منها من جوّه الحكايات المنسية، من داخل التفاصيل اللي الزمن خبّاها، علشان نطلّعها للنور.
ايه هي الاندلس ؟

الاندلس كان اسم اطلقه العرب على شبه جزيرة إيبيريا وإللي كانت عبارة عن (إسبانيا والبرتغال). طب ايه أصل كلمة الاندلس في اللغة؟ في ناس بتعتقد إن اصل التسمية جايه من اسم قبيلة “الوندال” و إللي كانت عايشه في المنطقة دي في فترة سابقة.في عصر الدولة الاموية، إللي كانت واحده من أعظم الدول في الاسلام.
كان عندها طموح إنها تتوسع اكتر وتوصل لأماكن ابعد عشان يتنشر فيها الدين الاسلامي وعشان كدا في آخر شهر أبريل سنة 711 ميلادي، وصل طارق بن زياد القائد الإسلامي العظيم لشبه الجزيرة الإيبيرية علشان يبدأ الفتح الإسلامي، وده كان بعد ما اتفق مع حاكم مدينة سبتة في المغرب اللي اسمه يوليان.
يوليان وقتها كان طالب المساعدة من موسى بن نصير، والي شمال أفريقيا، علشان يساعده ضد الملك اللي كان بيحكم إسبانيا وقتها، وكان اسمه رودريك. عشان كدا اتحدت المصالح، وقدر جيش المسلمين إنهم يفتحوا البلاد وينتصروا على ملكهم بكل سهولة وبكدا ابتدى سطر جديد من سطور التاريخ الاسلامي.
تاريخ اتكتب فيه ازدهار المسلمين في كل المجالات والعلوم وكل الناس بيروحوا الاندلس من كل أنحاء الارض،عشان يتعلموا وينقلوا التعليم ده لبلادهم،فكانت الاندلس زي مكتبة مفتوحه بتنشر علومها في كل مكان،وعاش المسلمون فيها قرابة الـ٨ قرون.لكن زَيّ ما لكل بداية نهاية،فبعد ما الأندلس كانت منارة للعلم والحضارة،جيه وقت بدأت فيه الدولة تضعف واتقسمت بين ممالك، وتكاثرت الأطماع بين ملوكها وبدل ما كنا بنفكر في المصلحة العامة بقى كل واحد يفكر في نفسه،وابتدى نفوذ المسلمين يتراجع شوية بشوية ومع مرور السنين، دولة ورا دولة بتقع،لحد ما مبقاش فاضل غير مدينة واحدة،مدينة صمدت، قاومت، وحافظت على بقايا مجد طويل،المدينة دي كانت غرناطة.آخر حُصن إسلامي في قلب الأندلس. غرناطة مش بس مكان،دي كانت رمز… رمز للأمل الأخير، والصمود.

غرناطة رمز الصمود
مدينة غرناطة هي مدينة تقع في جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية في أقصى شرق منخفض غرناطة الواقع على سفح سلسلة “سييرا نيفادا” (جبل الثلج أو جبل شُلَيْر) عايش فيها 237 ألف نسمة.الحفريات الأثرية بتقول إن تاريخ غرناطة بيرجع للقرن السابع قبل الميلاد، ولما دخلها الفتح الإسلامي سنة 711 ميلادي، كانت وقتها مجرد منطقة تابعة لمدينة اسمها “البيرة”، واللي كانت أهم في الوقت ده في منطقة الأراضي الخصبة في غرناطة. وده كان ما بين القرن التامن والعاشر الميلادي، في أول فترة من الحكم الإسلامي للأندلس.بسبب الفتن والمشاكل اللي حصلت، مدينة البيرة اتخربت، فناسها سابوها وراحوا يعيشوا في غرناطة، اللي كانت ساعتها صغيرة، بس مع الوقت عمرها كبر وبقت مدينة كبيرة وعاصمة للمنطقة. الزيريين حكموها، واهتموا ببنائها ودفاعاتها، خصوصًا في عهد زاوي بن زيري سنة 1013، وخلوها العاصمة بتاعتهم. بس بعد كده، المرابطين جم ووحدوا الأندلس، واستولوا على غرناطة سنة 1090، وكملوا توسيعها وزودوا تحصيناتها.

لكن للاسف عشان زي ما كل دولة قوية بيبقى ليها نهاية ومفيش دولة قوية بتستمر للابد، غرناطة وقعت سنة 1492 لما الملك محمد الـ12، اللي معروف باسم أبو عبد الله الصغير، سلّمها للملوك الكاثوليك بعد حروب ومعارك استمرت من 1482 لحد 1492. وبعد سنة 1499، وفي عهد ملكة قشتالة إيزابيل الأولى، حصلت حملة تنصير عنيفة، قلبوا فيها المساجد لكنائس، وغيّروا شكل المدينة تمامًا وشالوا كل المعالم الإسلامية منها.ومن وقتها، وبالذات ما بين القرن الـ16 والـ19، أوضاع الناس هناك ساءت جدًا، اقتصاديًا واجتماعيًا، وحصلت ثورات كتير، وكمان ناس كتير سابوها وهاجروا.
غرناطة مدينة الشعر والادب في العصر الاندلسي
زمان، غرناطة ماكنتش بس مدينة مليانة قصور وحدايق، دي كمان كانت منارة أدب وشعر، وكان فيها شعراء وأدباء بيملوا الدنيا فن وكلام حلو يوصف جمالها، وطبيعتها، وحياتها. كانت الكلمة ليها سحر، والشعر كان زي لسان الناس، بيعبروا بيه عن حبهم للبلد، وعن لحظات النصر والهزيمة.
بس زي ما التاريخ بيحكي، لما سقطت غرناطة سنة 1492، واتغير شكل المدينة، واتمسحت معالمها الإسلامية، اتغير كمان حال الأدب والشعر. الكلمة ماعدتش حرة زي زمان، والشعر بقى بيحاول يقاوم التغيير ويحافظ على الهوية. ومع سوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية بعد كده، فضل الشعر صوت ناس بتحاول تفتكر، وتحكي، وتتمسك بجذورها وسط كل التبدل اللي حصل.في غرناطة، انتشر نوع من الشعر كان كله شجن وحنين، شعر بيعبر عن الغربة والضياع، وبيعكس حال المسلمين اللي عاشوا وسط الحصار والصراعات مع الممالك المسيحية. الكلمة كانت مليانة وجع وأمل في نفس الوقت، كأنها بتحاول تحتفظ بروح الأندلس وسط اللي بيحصل.
ومن أشهر شعراء الوقت ده: ابن الجياب، وابن الخطيب، وابن زمرك. التلاتة دول ماكانوش بس شعراء، دول كانوا صوت غرناطة الحقيقي. لدرجة إن أشعارهم اتكتبت على جدران قصر الحمراء، وكأن المدينة نفسها بتتكلم بكلماتهم، وده بيوضح قد إيه الشعر كان جزء من الحياة اليومية ومن عمارة المكان نفسه.الشعر في غرناطة ماكانش بس عن الغربة، كان فيه غزل ومدح، وكان دايمًا يوصف جمال المدينة وثمارها وطبيعتها، وده بيبين إزاي الفن والشعر كانوا متمازجين مع كل حاجة حواليهم، من طبيعة الأرض لروح الناس.
لكن في وسط المجموعة الكبيرة من الشعراء والادباء دول، احنا هنتكلم عن واحد كان من ألمع نجوم الأندلس، مش بس شاعر، ده كان أديب ومؤرخ وطبيب وفيلسوف، وكل ده في شخص واحد! والشخص ده هو لسان الدين بن الخطيب، اتولد سنة 672 هـ في غرناطة، وسط بيئة كانت مليانة علم وأدب وثقافة. عيلته أصلها عربي، وكانت من الناس اللي هاجروا للأندلس واستقروا فيها، واختاروا غرناطة مكان يستقروا فيه ويبنوا حياتهم. ومن هنا بدأ مشوار واحد من أعظم عقول الأندلس، اللي اسمه لحد النهاردة لسه منوّر في كتب التاريخ والأدب.

ابن الخطيب كان موسوعي بمعنى الكلمة، كتب في كل حاجة تقريبًا: الأدب، والتاريخ، والفلسفة، وحتى الطب. اتقال إن عدد مؤلفاته وصل لحوالي ستين، بس للأسف، أغلبها ضاع أو اتحرق، وما وصلناش منه غير اللي ليه علاقة بالأدب والتاريخ.
ومن أبرز المؤلفات اللي اتعرفت واتنسبت لهالإحاطة في أخبار غرناطة: وده من أهم كتبه، فيه سجل تاريخ المدينة، وأحداثها، وأعلامها.
روضة التعريف بالحب الشريف: كتاب أدبي جميل فيه تأملات عن الحب والعاطفة.نفاضة الجراب: فيه سيرته الذاتية وأفكاره الشخصية، وبيكشف جوانب من حياته وتجربته السياسية والأدبية.الكتيبة الكامنة: وده سجل فيه شعراء الأندلس وسيرهم.مؤلفاته كانت بتجمع بين العقل والعاطفة، بين الدقة العلمية وجمال التعبير، وده اللي خلاه واحد من أعظم أعلام الأندلس، حتى بعد ضياع أغلب تراثه.
زي ما قولنا فوق، إن التاريخ مليان حكايات منسية، وغرناطة كانت واحدة من الحكايات دي، مدينة اتحفرت في الذاكرة بجمالها وفنها وصراعاتها، ولسان الدين بن الخطيب كان واحد من أبطال الحكاية دي، اللي بكلماته كتب جزء كبير من اللي حصل وخلّى اللي بعده يقدر يشوف الصورة كاملة.